آباء على الورق

عالم الأسرة » شؤون عائلية
01 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 15 - مايو - 2010


1

الجلسة الثانية النظر في القضية رقم 2 والتي يتقدم بها الأبناء ضد بعض الآباء المهملين لتربيتهم.

القاضي: بعد الاطلاع على القضية الأولى بتاريخ 8 من صفر 1431 هجرية الموافق 27من يناير2010ميلادية جلسة (أمهات على الورق)   www.lahaonline.com/articles/view/17672.htm

ننظر اليوم في الدعوى المقدمة من أبناء يطالبون لأنفسهم بالبراءة من كل التهم والجرائم المنسوبة لهم، ويحملون آباءهم المسؤولية كاملة عما وصلوا إليه من سوء في الخلق.

النيابة / حضرة القاضي، حضرات المستشارين.. لقد ضبط هؤلاء الشباب متلبسين واعترفوا بارتكاب العديد من الجرائم والجنايات فلا تأخذكم بهم شفقة ولا رحمة؛ إنهم بمثابة قنبلة موقوتة وفي حال فك قيودهم وإطلاقهم إلى المجتمع سيكونون سببا في تدميره وفساده.

 إن انحراف هؤلاء الصغار يدق ناقوس الخطر في مجتمعاتنا، يكفينا أن نعلم أن أكثر من 8%من المدخنين تقل أعمارهم عن 15 سنة، و3% تقل أعمارهم عن 10 سنوات. والتدخين هو الخطوة الأولى لسلم الانحراف وأن أكثر من 60%من المدمنين في سن الشباب،  وأن 40%من هؤلاء الشباب المدمنين نساء.

وأن نسبة الزواج العرفي قنبلة من العيار الثقيل تهدد مجتمعاتنا العربية بالإضافة إلى آلاف الآلاف من الجرائم المختلفة والقاسم المشترك بينها جميعا هو غياب دور البيت في التربية.

 فأنا أطالب بعقوبة هؤلاء الأبناء وتقديم آبائهم أيضا إلى المحاكمة لينالوا جزاءهم العادل.

القاضي: إن كل ابن هنا أو بنت يدعي أنه ليس مجرما، وأن إهمال والديه لتربيته أو التربية القاسية له بالضرب والإهانة ساقه إلى هنا، وفى حالة أخرى كان الخلاف الأسري أو الانفصال بين الوالدين سببا في انحرافه.

الابن: اسمح لي يا سيادة القاضي أن أتكلم.

القاضي: تفضل يا ولدي.

الابن: أنا اعترفت على نفسي بما اقترفت، ولكن قبل أن تنفذوا علي العقوبة اسألوا أبي كم ساعة جلس معي؟ وكم مرة حاول أن يقترب مني و يتعرف على مشاكلي؟ ياحضرة القاضي إنني لا أكاد أرى أبي, إنه مشغول بكل شيء إلا بي, مشغول حتى في حال حضوره في البيت فهو الحاضر الغائب! كم تعطشت لحضنه وكم افتقدته وهو لم يفتقدني حتى فررت من البيت!

الأب( مقاطعا): يا حضرة القاضي هذا الولد العاق يريد أن يحملني انحرافه وسفاهته وأنا لا ذنب لي.. إنه ولد سيئ..  أخلاقه فاسدة يجنح إلى الانحراف.

القاضي: اسمح لي أيها الوالد الكريم

            لكن الأب يتحمل سوء أدب ابنه ونتيجة انحرافه فالابن من كسب أبيه.

الابن: يا حضرة القاضي دعني أكمل لأبين لماذا فررت من البيت؟

لقد وجدت خارج البيت أذنا تسمعني.. وجدت من يحبني ويمدحني ويقدرني.

لقد سمعت بخارج المنزل من أصدقائي من يقول لي: أنت مميز, أنت ذكي, أنت موهوب, أنت محبوب.

فأضحك وأنا أكتم بداخلي آلاما تمزقني.

أتعرف يا حضرة القاضي مصدر تلك الآلام؟

أتألم حين أتذكر ما كان يقوله أبي لي حين يغضب على تصرف من تصرفاتي.

أنتَ فاشل, لن تفلح أبدا, ألف مرة أقول لك و أنت غبي لا تفهم, أنت خائن للأمانة, أنت كاذب لا تصدق.. لقد ضجرت!!

وبدلا من أن يعلمني ويصبر علي، كان ينهرني ويشعرني بعجزي، ويوصل لي رسالة بكراهيتي حتى أصبحت أكره نفسي ومن حولي.

وكان أشد ما يمزقني حين يقارنني بغيري.. نعم كان هذا أشد ما يفقدني ثقتي بنفسي، ويورث في نفسي الحقد والكراهية

الأب(مغضبا): نعم كانوا هم أفضل منك في كل شيء

                    إنهم يحترمون الكبير ويصدقون في كلامهم.

القاضي: ألم تسأل نفسك أيها الوالد الكريم؟ من الذي ربى هؤلاء الأولاد على احترام الكبير وصدق الحديث والأمانة

لابد أن أحدا رباهم على هذه الخلق فلماذا لم تفعل مع ابنك هذا؟!

الأب: هذا ابن سيئ لا تصلح معه التربية!

الابن:اسمح لي يا سيادة القاضي أن أكمل..

القاضي: تفضل يابني.

الابن: لقد لاحظت أن أبي يهتم بسيارته ويزينها وينظفها بشكل دائم، فسألته عن سبب ذلك؟, فقال لي: لأنها غالية الثمن فلابد أن أهتم بها وأرعاها بشكل يومي حتى لا تخرب!! فعلمت عند ذلك أن قيمتي عند أبي أقل بكثير من قيمة هذه السيارة الجماد.

فأنا ـ باختصارـ لا أجد من أبي من الرعاية والاهتمام مثل تلك السيارة.

لذلك لجأت إلى خارج البيت لأروي عطش نفسي.

فوجدت أصدقاء سوء.. نعم هم أصدقاء سوء لكنك لا تلوم الذي سيموت من العطش حين يشرب من الماء الملوث.

أستطيع أن أقول لكم إنني استعدت ثقتي بنفسي خارج البيت من أصدقاء السوء هؤلاء.

صدقوني لقد منحوني الشعور بإنسانيتي وبقيمتي وبقدري.

أعطوني الثقة في نفسي منحوني المدح والتقدير، ولم يبخلوا عني، منحوني الشعور بالحب والقبول

لقد أصبح مفتاحي بيدهم.

فلما قالوا لماذا تصلي؟ وتتشبه بالكبار المملين  أنت شاب صغير لا تعقد نفسك،   تركت الصلاة وأنا أعلم أنني مخطئ و أنهم مخطئون.

فأبي لا يسألني إن كنت أصلي أو لا أصلي؟

ولما قال لي أصدقائي اشرب هذا المخدر الذي سيشعرك بالسعادة، شربت، و أنا أعلم أنها ستدمرني.

شاهد هذه الأفلام، شاهدت.   افعل هذه الجريمة فعلت.

هل عرفتم ما الذي قادني إلى هذا الانحراف؟

الأب: يا حضرة القاضي إن هذا الابن العاق لا يقدر ظروف الحياة ولا يقدر كم أتحمل من عناء العمل، وكم أعاني في مواجهة ضغوط الحياة من أجله, اسأله  من الذي يحضر له الطعام والثياب والجهاز النقال ومصاريف المدارس والجامعة له ولإخوانه ومصاريف علاجهم والترفيه عنهم, فهل بعد كل هذا تحاكمونني أنا على سوء أفعال هذا الضال المنحرف؟

لقد فصل من دراسته وأصبح عضوا دائما في أوكار الإدمان!

آه  ضاع عمري ومالي وصحتي بسببه ولكنني كنت أركض خلف السراب.

 ما هو المطلوب مني أن أفعل له؟! لقد لبيت له كل ما يحتاج!! حسبي الله ونعم الوكيل!!

القاضي: إن كل ما قلت أيها الأب الكريم ليس إلا مهمة واحدة من مهامك.

فأين بقية مهامك مع أولادك؟!

الأب: وما هي بقية مهامي بعد كل هذا؟!

إن عليك دورا كبيرا، فإن مهمة تربية الأبناء ليست سهلة.

 عليك أن تصاحب ابنك وتقترب منه فدور الأب لا يقتصر على تلبية الحاجات الجسدية لأبنائه، فليس دورك يقتصر على تسمينهم؛ لأنهم ليسوا قطيعا من البهائم، إنهم بشر له احتياجات أخرى كثيرة.

هناك حاجات نفسية لتسد جوعه العاطفي والنفسي، وتعطيه ما يحتاجه من الحب والحنان والطمأنينة والأمان و المدح والتقدير والثقة.

هناك حاجات اجتماعية كتدريبه على الأدوار الاجتماعية المختلفة، فتصطحبه معك في زيارة مريض أو صلة الأرحام وفي العزاء وفي الأفراح، وتعلمه كيف يستقبل الضيف، وكيف يحل ضيفا على الناس، وكيف يعامل الصغير وكيف يحترم الكبير.

وهناك حاجات روحية وإيمانية مثل أن تتابعه على حفظ القرآن، وتحبب له الصلاة والأذكار والدعاء وطلب العلم وتصطحبه لصلاة الجمعة وأداء العمرة.

وهناك حاجات عقلية وفكرية كأن تتابع مستواه الدراسي وتتناقش معه وتعلمه وتثقفه وتعوده على آداب الحوار وأدب الاختلاف مع الغير.

وهناك حاجات أخلاقية كأن تغرس فيه الأخلاق وتدربه عليها لتحصنه من الضياع والانحراف.

أين أنت أيها الوالد الكريم من هذه الأدوار كلها؟

الأب: ألا يكفي أنني أنفقت عليه كل ما أملك؟!

القاضي: لا أيها الأب لا يكفي

إن كنت أنفقت عليه المال، لكنك بخلت عليه بالاهتمام والرعاية والحب والحنان!

و إن كنت تغدق عليه بالمأكل والمشرب  لكنك تشح عليه بالحوار والإنصات؛  ليفصح لك عن أحلامه ورغباته ويشكو لك همومه ومشكلاته.

للأسف عندما يكون هناك آباء وأمهات هكذا على الورق فإننا لن نحصد إلا جيلا على الورق.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


أماني داود

الاسم : أماني محمد داود
المؤهل: بكالوريوس علوم
حاصلة على العديد من الدورات منها البرمجة اللغوية العصبية ,الطب البديل, تطوير البرامج التعليمية وتأهيل المعلمات ,وفى الإعلام الناجح وإعداد المقال و أيضا في فنون ووسائل التربية الصحيحة
محاضرة تربوية أسرية في الجمعيات الخيرية والمراكز والمدارس
مقدمة ومعدة برامج إذاعية تربوية
كاتبة في بعض الصحف والمجلات ومستشارة أسرية في عدد من المواقع
مؤلفات صادرة:
مطويات: أفراح رمضان, بساتين الصيف, وهدايا رمضان
كتب : أسرار جمالك,صغيرة على الحب، الفتاة والحب , 55 نصيحة للآباء في تربية الأبناء, أخطاء الآباء في تربية الأبناء, وأسرار جمال المرأة المسلمة


تعليقات
-- د. سميحة - مصر

02 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 16 - مايو - 2010




جميل جدا هذا الحوار فهو يغني عن الكثير والكثير من المقالات التربوية.. ننتظر منك المزيد استاذه أماني.. حقا أنتي مبدعة.

-- صفية -

02 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 16 - مايو - 2010




بارك الله لك

-- رضوى مسجد الرحمة - مصر

02 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 16 - مايو - 2010




جزاكى الله خيرا يا ابلة امانى ونفع بيكى الامة مقالة جميلة جدا ومفيدة

-- زهرة - أروبا

03 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 17 - مايو - 2010




كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته.



إهمال الأبناء في الصغر والانشغال عنهم والتقصير في احتضانهم والقرب منهم ونقل الشعور بدفء العلاقة معهم.
لقد كانت هذه الجفوة بين الآباء والأبناء سببا رئيسا في ضياع مستقبل الكثير من الشباب، وانهيار مشروع رجل محترم وإنسان له قيمة، وتحول ذلك إلى مشروع شاب مجرم أو إنسان فاشل بمعنى الكلمة.
إن معنى انشغال الأبوين عن أولادهما وانهماكهما في حياتهما الخاصة وقطع الصلة بالأولاد معناه أن يبحث الأولاد عن بدائل ومصادر أخرى يستمدون منها التوجيه ويسمعون منها كلمات المودة والتقدير والثناء، وفي أكثر الأحيان تكون هذه المصادر منحرفة لكنها تبدو في صورة الصديق الودود أو الصاحب المحبوب مما يجعل الانخداع بها سهلا ميسورا ويكون أثرها مؤثرا مضمونا.


ليس اليتيم من مات ابواه وتركاه ذليلا,,,,,,,,,,
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,انما اليتيم من له اما تخلت او ابا مشغولا .
وشكرا لكم على هذا الموضوع الحساس والهام,,
ودمتم سالمين,,

-- ناموسة - الجزائر

03 - ذو القعدة - 1431 هـ| 11 - اكتوبر - 2010




طريقة طرح الموضوع بسيطة فى مظهرها لكنها اثارت زوبعة من المشاعر فى نفسى ونبهتنى على مخاطر اهمال الابناء الابرياء .لقد تعاطفت كثيرا مع شخصية الابن وادمى قلبى حسرة عليه .حقا انهم فلدات اكبادنا وليسوا بهائم تحتاج فقط تسمينها وحفظها من الحر والبرد والعناية بنظافتها...بل اعتقد ان حتى الحيوان نفسه بحاجة الى رعاية نفسية

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...