جدتي

عالم الأسرة » رحالة
28 - ذو القعدة - 1437 هـ| 01 - سبتمبر - 2016


1

تحدرت دمعة حارة من مقلتها، ثم ابتسمت فسألتها ما الخبر؟!  فقالت زارتني جدتي في مخيلتي.

فسألتها من هي جدتك؟!

جدتي هي اختزال لتاريخ عصرها، وماذا تتوقع من ضنك عيش، يجبر الجميع على أن يتصرف بقسوة،  فهو السبيل الوحيد للبقاء على قيد الحياة، أو هكذا ظنوا، لكنه في زمانهم لم يكن لديهم الكثير من الخيارات. بل لا وجود إلا لخيار وحيد، مر كالعلقم، لكنهم كانوا يتجرعونه ويوهمون  أنفسهم أنه كالشهد.

تزوجت جدتى وهي شابة ضعيفة البنيان، متوسطة العمر، بزوج كان يكبرها بعشرين سنة، كانت لديه ميزة واحدة فقط، تشفع له بخصوص فارق السن، وهي أنه ابن حمولة، حملت جدتي بخالي، وأثناء ولادتها به تعسرت ولادتها، فأشيع خبر موتها. وأقبل المعزون إلا أنه  لأمر يعلمه الله  أنجاها الله مما هي فيه، وكانت طبيبتها امرأة مسنة كفيفة، وتعاني صعوبات في النطق، أمسكت القابلة بأم جدتي تتحسس بطنها، فهتفوا بها: ليست هذه التي تلد بل ابنتها، وكانت جدتي تصرخ: أخرجوه من بطني، فهي لم تكن تعلم من أين سيخرج الطفل!! وظنت أن دور القابلة الكفيفة هو  إخراج الطفل من بطنها، وحين  انقطع صراخ جدتي وأغمى عليها كان، خالها بالقرب من أمها، وقف يرفع المعنويات بطريقته الخاصة: ألم أقل لكم إنها ضعيفة البنيان ولن تقوى على الإنجاب؟! فأجابت  كيف نرد ولد حمولة؟! حسنا هذه هي ابنتك ستموت أمامك، ولينفعكم ولد الحمولة.

نجت جدتي بأعجوبة، ثم  كررت الأمر أربع عشرة مرة، لم تفطر في رمضان قط طوال فترة زواجها، مع أنها كانت إما حامل أو مرضع، عاش من الأربعة عشر ثلاث فقط، وتوعز جدتي سبب وفاتهم إلى العين (الحمد لله انخفض ضحايا العين من المواليد)، ولم تعترف بالمرض الذي كان هو السبب الرئيس، توفي لها 3 أطفال، تتراوح أعمارهم مابين3 شهور إلى عمر عشر سنوات، كلهم كانوا  يصابون بالحمى، ولم يكن يتوفر دواء خافض حرارة، ثم يبكون ليل نهار، ويذوون أمام ناظريها، وهي لا تملك لهم شيئا، حتى يرحمهم الله ويرحمها بملك الموت، فتغلب فرحة خلاصهم من عذابهم، على حزن فراقهم. كان جدي مصابا بالوسواس، ربما لفارق السن بينهما، أو أنه جين وراثي، لا أعلم، فنحن ولله الحمد في ثقافتنا لا نتناقل إلا ما هو جميل عن الأجداد، وليس من الأدب ذكر مساوئ أناس واراهم التراب، لكي يبقوا في ذاكرتنا كملائكة لا أخطاء لهم، ونخفي أنهم بشر يصيبون ويخطئون، فإذا أرادت جدتي أن تزور أهلها، فيجب أن تخرج في الظلام فلا يراها أحد، ثم تعود في الظلام كي لا ينتبه لها أحد.

فكيف السبيل إلى ذلك؟!

تفتق ذهن جدي عن خطة عجيبة، تخرج جدتي في أثناء إقامة صلاة الفجر، فيضمن أن كل الرجال داخل المسجد، أو غير الصالح منهم نائم في بيته، فيكون الطريق خاليا مئة بالمئة من الرجال فإن تأخرت في الخروج وسلم الإمام قبل خروجها أعلن جدي عن إلغاء الزيارة لعدم استيفائها  لشروط السلامة الأمنية.

          أما وقت العودة فهو حين يكبَر لصلاة العشاء، فالصالح يكون في مصلاه، وغير الصالح قد عاد من عمله ولزم بيته. فتكون الطريق خاوية على عروشها، وكان من شدة وسواسه لا يترك جدتي في يوم زيارتها لأهلها، ويذهب ليستأنف عمله. بل يغلق دكانه ويرابط عند أهلها فحراسة عرضه أولى من حراسة رزقه، وبذلك يعلم السوق كله أن دكانه مغلق؛ لأن اليوم هو موعد زيارة أم إبراهيم  لأهلها. فإن كان قد فوت فرضين من فروض الصلاة من أجل زيارتها، فكيف لا يضحي بدخل يوم في سبيل التأكد من عدم خروجها من بيت أهلها، ومن أجل هذه  المراسم المشددة قلصت الزيارة الأسبوعية إلى زيارة شهرية، لم يذكر لي أنها غضبت أو حزنت أو طلبت الطلاق.

 مات جدي وانتقل أولادها إلي المدن طلبا للرزق، فأحدثت من أمرها عجبا، قررت أن تحول كل معاناة تلك السنين إلى حب وعطاء للجميع فقيرهم وغنيهم، فالبعض يقصر حبه على بيته لكن جدتي كان كل من حولها هم أهلها خاصة جيرانها، فكرت في أمرها، كيف تساعد الناس؟ وكيف تحبهم وهي ليست غنية!

 فأدركت أنه ليس بالمال فقط يحيا الإنسان، وأنه يمكن أن يقدم الكثير، وفي هذا قدمت العطاءات الكثيرة ، وبدأت بالعطاء مبكرا من أول شبابها، فزوجها كان يمنعها من حضور الزواجات لشدة وساوسه، لذا كان كل نساء الحي والأهل ممن يذهبن إلى الحفل يتركن رضيعهن عند جدتي، تقوم بإرضاعه من صدرها والاهتمام به، و قد يكون هناك أكثر من طفل مع طفلها، ولا تسأل عن بركة ذلك الزمان، كيف كان حليبها يكفي صغيرها وصغار الجيران، وكيف جفت صدور نسائنا عن إرضاع طفل واحد، مع فارق التربية والراحة الجسدية، لذا كانت الرضاعة هي أول عمل تطوعي قامت به جدتي، فلقد أرضعت معظم أبناء الحي وأبناء الأهل، وحين انقطع حليب صدر جدتي بوفاة زوجها، وتوقفت عن الإنجاب، رأت أن تغير في عطائها.

فافتتحت في حوش بيتها مجلسا، ولا تسأل عن هذا المجلس، فهو عبارة عن حصير خفيف، قامت بوضعه على الأرض، ثم تجتمع عندها النساء صباحا ومساءً، فمن لديها طفل مريض فإنها تحضره وتقرأ  جدتي  عليه، ومن تشتكي زوجها تنصحها وتعقلها، ومن تحتاج لمال يسير تقرضها، ومن عندها طعام تريد منها أن تساعدها في صنعه، كخضار تريد أن تقطعه، فإنها تساعدها بتقطيعه  معها، ثم تطبخه الجارة وترسل لها منه، فكانت حكيمة الحي، ينادى بها في كل أمر عسير، في الولادة رغم أنها لا تباشر الولادة، ولكن تقف معهن تساعدهن،  وكن  ينادينها لمن حضرت له الوفاة وكانوا في ذلك الزمان وفي تلك البلدة(الزبير) يقطرون في فم الميت الماء، ولا أدري ما الحكمة من ذلك؟!

وكانت شديدة الكرم، فكل ما يرسله لها أبناؤها من طعام أو هدايا، تقوم بتوزيعه كله على الجيران، وكان جيرانها يحبونها ويعاملونها بكرم، خاصة بعد كبرها، كانت جدتي يحبها الصغير والكبير، ويحرص الصغار على أن يحضروا ويقبلوا رأسها؛ لأنها ستعطيهم حلوى.

 وكانت الحلوى في ذلك الزمان أمرها عجيب، لم يكونوا يعلمون عن شيء اسمه تاريخ صلاحية، فمعظم الحلوى التي توزعها الجدات (انتهى تاريخ صلاحيتها (محزرة) إلا أن الإقبال  عليها  كان منقطع النظير، ألم أقل لكم لم يكن هناك الكثير من الخيارات، بل ربما ظنوا أن تغير مذاقها هو أحد النكهات المحسنة.

وحتى الصغير المعاقب من أهله، يحضر إلى جدتي ويشكو همه، فتحتويه جدتي بحنانها، وتبقيه عندها وتعطيه ما حرمه أهله، ثم تشغله في عمل يمتص به غضبه، فإذا هدأ عاد إلى أهله بحال أحسن.

          وعندما يكبر هؤلاء الصغار ويصبحون رجالا، فإنهم لا ينسون أبدا هذا الصدر الحاني فيحرصون على السلام على جدتي من خلف باب البيت، كلما مروا أمام بيتها، فلقد كانت جدتي تشرع بابها من الصباح الباكر ولا تغلقه إلا قبل نومها؛ لأن مكتبها أو حصيرها لا يخلو أبدا من الفعاليات فهي راقية ترقي الناس، أخصائية علاج طبيعي، وأخصائية طبية حيث تجيد الحجامة، ومستشارة أسرية وتربوية، وخدمات اجتماعية متعددة الخدمات. وكل هذه الخدمات مجانية، بل مغلفة بحب وعاطفة صادقة.

شعر أبناؤها بتأنيب الضمير كيف ينعمون برفاهية المدن؟، وأمهم تجلس فوق حصير في حوش بيتها!، يحسن عليها الجيران في خدمتها، فأصروا عليها أن تترك حصيرها، وتأتى لتسكن معهم، فرفضت وأصرت وقالت: إن فارقت هذا المنزل فسوف أموت، لذا لن أخرج منه إلا جنازة تحمل فوق الأكتاف، فأطاعوها، ولكن أصابها المرض وغاب وعيها، فحين أفاقت فإذا هي ببيتنا، فبكت بكاءً مريرا، وقالت: ارجعوني إلى بيتي، وارجعوني إلى حصيري، واستمرت جدتي في البكاء على فراق بيتها وعلى حصيرها الذي هو مجلسها الملكي؛ حتى لاقت ربها. وكنت في صغري أتساءل: لماذا تبكي جدتي بيتها؟ وبيتنا حديث وجميل ومريح ونظيف؟ فحين كبرت أخبروني قصة حصيرها،  أسموني نورة على اسم  جدتي، وأتمنى أن أقوم بربع أعمالها التطوعية.

 رحمك الله جدتي كيف ترجمت معاناتك إلى إنجازات وبطولات. لكم أتمنى أن أوثق سيرتك  (حتى تُدرس لأبنائنا). لكن يكفيك أن الله عز وجل قد وثقها عنده، وهو من  سيجزيك أفضل الجزاء.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...